السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

11

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

الصالح فهو من باب أولى « فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ 9 » الدائم لأمثالهم ، وحرف الجر هنا متعلق بتجري وهو حال من الأنهار « دَعْواهُمْ » دعاءهم وهو مبتدأ و « فِيها » متعلق به وخبره « سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ » أي أنهم يدعون اللّه تعالى وينادونه في هذه الجملة الدالة على التنزيه تلذذا بذكره تعالى لا عبادة ، وانهم يقولون هذه الجملة كلما يعاينون شيئا من عجائب آثار قدرته ونتائج رحمته ورأفته « وَتَحِيَّتُهُمْ » فيما بينهم « فِيها » أي الجنة « سَلامٌ » أي يحيي بعضهم بعضا وتحييهم الملائكة في هذه الكلمة أيضا . وقيل إن جملة سبحانك اللهم علامة بين أهل الجنة والخدم في الطعام ، فإذا أرادوا شيئا قالوها ، فيأتونهم بما تشتهي أنفسهم وتلذّ به أعينهم من الأطعمة التي لا يشبه بعضها بعضا في اللون والطعم والرائحة والآنية واللذة والكم والكيف والماهية والغداء . فإذا فرغوا حمدوا اللّه تعالى على ذلك بما يلهمهم المنعم عليهم من أنواع التحميد والتقديس التي منها ما حكاه اللّه عنهم بقوله عز قوله « وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ 10 » فترجع الموائد عند ذلك واستدل القائل بهذا بما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريح قال : أخبرت أن أهل الجنة إذا مرّ بهم الطائر يشتهونه قالوا سبحانك اللهم ، وذلك دعاؤهم ، فيأتيهم الملك بما اشتهوا ، فإذا جاء الملك بسلم عليهم فيردون عليه وذلك قوله وتحيّتهم فيها سلام . فإذا أكلوا قدر حاجتهم قالوا الحمد للّه رب العالمين ، وذلك قوله تعالى ( وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) . وهذا ترتيب ذكري بحسب الترتيب الوقوعي ، إلا أنه خلاف الظاهر ، والأولى ما ذكرناه ، لأن أهل الجنة يبتدئون أمورهم كلها بتعظيم اللّه تعالى وتنزيه ، ويختمونها بشكره والثناء عليه ، ويتكلمون بينهما بما أرادوا مما يلقيه ربهم على قلوبهم . أخرج مسلم عن جابر قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون ، قالوا فما بال الطعام يا رسول اللّه ؟ قال جشاء ( أي يخرج جشاء وعرقا ) ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس وفي رواية التسبيح والحمد . وجاء في صحيح مسلم في وصف أهل الجنة يسبّحون اللّه تعالى بكرة وعشيا .